الجصاص
31
أحكام القرآن
الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قال : " السبيل إلى الحج الزاد والراحلة " . وروى يونس عن الحسن : لما نزلت هذه الآية : ( ولله على الناس حج البيت ) الآية قال رجل : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال : " زاد وراحلة " . وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال : " السبيل الزاد والراحلة ولم يحل بينه وبينه أحد " . وقال سعيد بن جبير : " هو الزاد والراحلة " . قال أبو بكر : فوجود الزاد والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى ومن شرائط وجوب الحج ، وليست الاستطاعة مقصورة على ذلك ، لأن المريض والخائف والشيخ الذي لا يثبت على الراحلة والزمني وكل من تعذر عليه الوصول إليه فهو غير مستطيع السبيل إلى الحج ، وإن كان واجدا للزاد والراحلة ، فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بقوله : " الاستطاعة الزاد والراحلة " أن ذلك جميع شرائط الاستطاعة ، وإنما أفاد ذلك بطلان قول من يقول : " إن من أمكنه المشي إلى بيت الله ولم يجد زادا وراحلة فعليه الحج " فبين صلى الله عليه وسلم أن لزوم فرض الحج مخصوص بالركوب دون المشي ، وأن من لا يمكنه الوصول إليه إلا بالمشي الذي يشق ويعسر فلا حج عليه . فإن قيل : فينبغي أن لا يلزم فرض الحج إلا من كان بينه وبين مكة مسافة ساعة إذا لم يجد زادا وراحلة وأمكنه المشي . قيل له : إذا لم يلحقه في المشي مشقة شديدة فهذه أيسر أمرا من الواجد للزاد والراحلة إذا بعد وطنه من مكة ، ومعلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لأن لا يشق عليه ويناله ما يضره من المشي ، فإذا كان من أهل مكة وما قرب منها ممن لا يشق عليه المشي في ساعة من نهار فهذا مستطيع للسبيل بلا مشقة ، وإذا كان لا يصل إلى البيت إلا بالمشقة الشديدة فهو الذي خفف الله عنه ولم يلزمه الفرض إلا على الشرط المذكور ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) [ الحج : 78 ] يعني : من ضيق . وعندنا أن وجود المحرم للمرأة من شرائط الحج ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج " . وروى عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم " فقال رجل : يا رسول الله إني قد اكتتبت في غزوة كذا وقد أرادت امرأتي أن تحج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حجج مع امرأتك " . وهذا يدل على أن قوله : " لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم " قد انتظم المرأة إذا أرادت الحج من ثلاثة أوجه ، أحدها : أن السائل عقل منه ذلك ، ولذلك سأله عن امرأته وهي تريد الحج ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ، فدل على أن مراده صلى الله عليه وسلم عام في الحج وغيره من الأسفار . والثاني : قوله : " حج مع امرأتك " وفي